أهدي لكم سيرة بطل وصقر الجزيرة وهي ليست الا في نظرة جزء بسيط من تاريخه الذ لاتكفيه كتب وأٌقلام لحصره ولا يقف عند حد معين وهو علم من أعلام قبيلة عنزة..
وهذه سيرته اليكم..
القسم الأول
المراحل الأولى من حياة الملك عبدالعزيز
1. نسبه
هو عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن مانع بن ربيعة المريدي من المردة وهم من المصاليخ من المنابهة من بني وهب من ضنا مسلم من قبيلة عنزة، من بكر بن وائل
. حياته في الكويت
أدرك الأمير عبدالعزيز في طفولته، بقايا عهد النعيم، في الرياض، وذاق ألم الجهد وعنف الحياة في شمالي الربع الخالي، حول واحة يبرين، وتفتحت عيناه فرأى العالم في الكويت. وقد جاءها بنساء الأسرة من البحرين، ومعه أخوه محمد، وابن عمه الذي لم يكن يفارقه، عبدالله بن جلوي، في منتصف سنة 1310هـ/1892م، ونزل معهن ـ قبل حضور أبيه ـ في دار أعدها ابن صباح، مؤلفة من ثلاث غرف، لا تقاس بجانب من قصرهم في الرياض، ولكنها إذا قيست برمال الدهناء والصمّان ويبرين، فهي مأوى رضيّ. قضى فيه الأمير عبدالعزيز حوالي عشر سنين من عنفوان حياته.
ويشاء الله أن يشهد الأمير عبدالعزيز، وهو لا يزال في مطلع شبابه، حادثاً جديداً في الكويت، فيه دم وقسوة، من نوع ما تركه في الرياض، إلاّ أنه أشد وأفظع.
ذلك أن بيت آل صباح، كان عماده ثلاثة أخوة، هم: محمد، ومبارك، وجراح. وكان الحاكم منهم في الكويت كبيرهم محمد، وهو الذي نزل الأمير عبدالعزيز، مع أبيه وأهله، في ضيافته، تبعاً لما اقتضته سياسة الدولة العثمانية في ذلك الحين. وكان الأمير عبدالعزيز يرى محمداً بين وقت وآخر، ويشعر بشيء من الميل إليه، ويعجبه فيه تأنقه واستقباله أباه ـ عبدالرحمن ـ بما يليق من التكريم، عند زيارته له.
واستمر ذلك عامين وبعض الثالث، وإذا بالأخ الأوسط مبارك وابن له، يثبان على كبير البيت محمد، في 25 ذي القعدة سنة 1313هـ/1896م، فيقتلانه وأخاه الأصغر جراح بن صباح، وينفرد مبارك بالحكم في الكويت.
ويرى أكثر من كتبوا عن الأمير عبدالعزيز، أن الكويت كانت مدرسته، التي تلقى فيها فن السياسة العملية. وأن أيام الشيخ مبارك، المليئة بالمناورات والمحاورات، كانت تنطبع مقدماتها ونتائجها، في ذهن الأمير عبدالعزيز. وقد اشترك في بعضها، حين آنس فيه مبارك صفات الألمعي اللبق، فقرّبه منه، وأفسح له المجال لحضور مجالسه، والاستماع إلى أحاديثه، مع ممثلي الحكومات الإنجليزية والروسية والألمانية والتركية.
ويذكر بعض المؤرخين، كذلك، أن كبرى شقيقات الأمير عبدالعزيز، نورة، كان لها فضل في تشجيع أخيها،
بقولها:
"لا تندب حظك كالنساء، إن خابت الأولى والثانية، فسوف تظفر في الثلاثة. ابحث عن أسباب فشلك واجتنبها. لا تكثر من إقامتك عند امرأتك أو في بيت أمك، فالرجال لم يخلقوا للراحة".
ونورة هذه هي أخت عبدالعزيز الشقيقة، ولدت في الرياض عام 1292هـ/1875م، وتكبر شقيقها بسنة. تزوجت عام 1322هـ/1905م، من سعود بن عبدالعزيز بن سعود بن فيصل (ولد عام 1299هـ/ 1882م، وتوفي في شعبان عام 1378هـ/1959م)، الذي كان على خلاف مع أخيها الأمير عبدالعزيز والمعارضين له. وبعد زواجه منها انضم سعود إلى الملك عبدالعزيز، وصار فيما بعد من المقربين إليه.
وكان الملك عبدالعزيز يعتز بها، ويهتف باسمها في الحروب، أو في مواقف النخوة، فيقول: أنا أخو نورة، أنا أخو نورة العنزي! وعاشت عمرها وهي أقرب الناس إليه. وكانت تعينه في حل المشكلات الداخلية في قصره ـ بعد المُلك وقبله ـ يستشيرها في أمور الأسرة، ويزورها كل يوم. توفيت عن سبعة وسبعين عاماً في شوال عام 1369هـ/ يوليه 1950م. وبلاد المملكة تستعد للاحتفال بالذكرى الذهبية لمرور خمسين عاماً على فتح الرياض، ودفنت في مقبرة العود.
كانت نورة تشجع عبدالعزيز في الكويت، وتشحذ همته، والنار بالنار تذكى، كما يقال
القسم الثاني
قصره وديوانه
يصف محمد المانع قصر الملك عبدالعزيز في الرياض، في الثلاثينات من القرن العشرين، فيقول:
كان قصر الملك أكبر بناية في الرياض. وكانت مساحته حوالي ثمانية آلاف متر مربع. وكان، كغيره من بيوت المدينة، مبنياً من اللبن والطين. وكان القصر ذا طابقين، وأربعة أجنحة، تمتد من وسطه إلى الجهات الأربع. وكان كل جناح مكوناً من غرف واسعة، وقاعات، ودرج، وباحات. وكان الجناح الشمالي أوسعها. وكان في الطابق الأرضي منه، مخازن مملوءة بالأطعمة المختلفة، خاصة الأرز والتمر، اللازمة لتموين الملك وجيشه. وكان عند نهايته مطبخ كبير، يتم فيه إعداد الطعام لمن في القصر، ولجماهير الزائرين من البدو. وكان فيه قدور، يبلغ علو كل واحدة منها بين ثمانية وعشرة أقدام، وتتسع لطبخ بعير كامل. وكان الطباخون يعدون كل يوم الوجبات التقليدية من الأرز المسلوق واللحم، لما لا يقل عن مائة ضيف بدوي. وكان هؤلاء يتناولون الطعام المقدم لهم في دكة واسعة، فوق المطبخ مباشرة.
أما الجناحان الجنوبي والشرقي من القصر، فكان فيهما مكاتب ومستلزمات الشؤون الداخلية للخاصة الملكية، وإدارة الجيش، ومساكن لخمسين أو ستين زنجياً، كانوا خدماً وحراساً للقصر. وكان في داخل القصر وخارجه دكاك عديدة من الطين، يجلس عليها طيلة النهار، جمهور غفير من رجال القبائل الزائرين وغيرهم، ممن لهم حاجة عند الملك أو ديوانه.
أما ديوانه فكان في القصر نفسه، ويقع في الطابق الأول من الجناح الشمالي، الذي كانت فيه غرفة لبلاط الملك، ومجلسه الخاص والعام، وغرفة للهيئة السياسية، ومكاتب أصغر حجماً لموظفي الديوان. وكان هناك رواق يؤدي إلى مسجد القصر، الواقع في الجناح الغربي. وكان فوقه قاعة، يصلي فيها الملك وحده.
وكان في الجناح الغربي، أيضاً، غرف الملك الخاصة وأماكن للنساء العاملات في بيته، وغالبيتهن من أفريقيا. وكان بعضهن خادمات في القصر، وبعضهن زوجات للذكور من الخدم.
وكان أعظم معالم القصر أبراجه الأربعة، التي لم يكن الغرض منها دفاعياً إلا بصورة جزئية. وكان كل واحد منها مقراً لزوجة من زوجات الملك. والواقع أن ثلاثة منها فقط كانت مشغولة في وقت واحد. أما الرابع فكان دائماً شاغراً ليكون للزوجة الجديدة، إذا ما رغب الملك أن يتزوج.
لم يكن القصر يحتوي على أكثر من التسهيلات البدائية، التي لا بد أن تكون في قصر للحكم، قبل مائتي سنة أو أكثر. فلم يكن فيه ماء جارٍ ولا مجار متقدمة، ولا كهرباء. وقد كادت إحدى وسائل الترف القليلة فيه، أن تتسبب في موت الملك، الذي أخفق كل أعدائه في القضاء عليه، فقد كان في غرف الملك الخاصة، حمام في داخله غلاية (سماور)، يُسخّن ماؤها بالفحم. ودخل الملك للاستحمام ذات يوم، ولم يخرج دخان الفحم بطريقة سليمة، فملأ المكان، فغشي جلالته، وكاد أن يموت، لولا أن أدركت خادمة سريعة التفكير، عدم وجود صوت في الحمام، فدقت جرس الإنذار فوراً".
وتروى قصة طريفة عن إدخال الكهرباء إلى القصر بالرياض، مما أورده محمد المانع أثناء وصفه القصر الملكي بالرياض، قائلاً: "ثم بدأت وسائل الراحة الحديثة تأتي تدريجياً، من الحجاز إلى الرياض. وفي سنة 1928م تقريباً أرسل مسلم من بورما مهندساً هندياً، اسمه محمد رفيق، لتشغيل مولدات الكهرباء في الحرم المكي وصيانتها. وكان رفيق مهندساً قديراً جداً، فأصبحت المولدات بإشرافه تعمل بأفضل ما يمكن من كفاءة. وقد أعجب الملك بعمله، فرأى أن الوقت قد حان ليكون في الرياض تسهيلات مماثلة. وأرسله من الحجاز سنة 1930م ليشتري مولدات وآلات جديدة، ويبعثها إلى الرياض لإنارة القصر الملكي. فاشترى ثلاث مكائن وأرسلها بالشاحنات إلى الرياض حيث وصلت إليها سليمة بأعجوبة. ثم قدم محمد رفيق وبعض مساعديه إلى الرياض، بعد ذلك بقليل. وحين عاد جلالته إلى الرياض كان القصر يموج بالعمل. إذ كان رفيق ورجاله يحومون فيه كعناكب مجنونة، يمدون شبكة الأسلاك في كل أرجائه.
ويقول المانع:
وكان رفيق لا يتكلم العربية. ولأني كنت أتكلم الأردية بطلاقة؛ فقد كان يطلب مني أحياناً أن أترجم له، في المواقف الحرجة التي كانت تنجم، خلال مده للأسلاك حول الغرف الخاصة في القصر.
وقد أفرغت حجرة واسعة، في الطابق الأرضي من القصر، ليضع فيها رفيق مولدات الكهرباء. وجاء اليوم العظيم الذي صارت فيه الكهرباء جاهزة للعمل. وكان الجميع ينتظرون اللحظة الباهرة بشوق. لكنها لم تحدث. وعندما حل الظلام أتى إليّ أحد خدام الملك، وقال إن جلالته يريد أن يراني في غرفة مكائن رفيق. فذهبت فوراً إلى هناك، ووجدت المسكين رفيق يحاول إصلاح المكائن، والملك بشخصيته العظيمة، واقف عنده ينتظر بدء إنارتها بفارغ الصبر. وقد حاول رفيق عدة مرات تشغيل المكائن، ولكنها في كل مرة تعطي ضوءاً قليلاً، ثم لا تلبث أن تحدث صوتاً مزعجاً وتنطفئ. وكانت مهمتي أن أترجم أوامر الملك لرفيق بأن يضاعف جهوده ليجعل المكائن تبدأ الإنارة، وتأكيدات رفيق المتكررة بأن كل شيء سيكون على ما يرام، في بضع دقائق.
ولم يتمكن المسكين محمد رفيق أبداً من تشغيل مكائنه. فغادر الرياض بأسرع ما يستطيع، مدعياً بأنه سيحضر قطعة غيار من جدة. ومرت بقية السنة من دون أن يعود. وحينئذ علمنا أنه أقنع الشيخ عبدالله بن سليمان وزير المالية، بأن يسمح له بالذهاب إلى مصر ليشتري ماكينة جديدة. وأخيراً عاد رفيق إلى الرياض سنة 1931م، ومعه تلك الماكينة الجديدة الغالية. ولحسن حظه استطاع من دون مشقة أن يشغل الكهرباء، وأصبح القصر يزدان بأنوارها. أما الزوار من البدو، الذين لم يروا هذه العجائب من قبل، فكانوا كثيراً ما يسألون الملك عن ماهية الكهرباء وكيف تعمل. وكان يجيبهم إجابة من لا يريد مزيداً من
يتبع ...